ابن عجيبة

10

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ويقرون الحقيقة بعد الأخذ بالشريعة . ويرون أن الحقيقة نفسها أساسها الشريعة ، فالفرق ثمة كبير ، والبون شاسع وعظيم . ولا مجال بعد هذا الإيضاح لإنكار من ينكر على الصوفية مذهبهم في الإشارات ، وما يختصهم الله به في كلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسرار والفيوضات . على أن تلك الإشارات أمر مشروع ، أقره الحديث المذكور آنفا : « لكل آية ظاهر وباطن وحد ومطلع » ، فأربابها متبعون لا مبتدعون ، اختصهم الله بأسراره في آياته ، ليكونوا مصابيح الهدى في غسق الدجى ، كما أقره عمد الدين ، وذوو العلم من المؤلفين . قال سعد الدين في شرح العقائد النسفية : « وأما ما يذهب إليه بعض المحققين من أن النصوص على ظواهرها ، ومع ذلك فهي إشارات خفية إلى حقائق تنكشف لأرباب السلوك ، يمكن التطبيق بينها وبين الظواهر المرادة فهو من كمال الإيمان ومحض العرفان » . وقال الشيخ زروق رضى الله تعالى عنه : « نظر الصوفي أخص من نظر المفسر وصاحب فقه الحديث ، لأن كلا منهما يعتبر الحكم والمعنى ، ليس إلا ، وهو يزيد بطلب الإشارة بعد إثبات ما أثبتاه » . فإذا دار المفسرون في حدود اللفظ القرآني ، واستنبط منه الفقهاء ما استنبطوا من أحكام ، فلأولى الألباب وذوى البصائر فيه بعد ذلك من الأسرار والحقائق ، ما لا ينكشف لسواهم ، ولا يدركه غيرهم . وذلك لتجدد واردات الحق عليهم ، ودوام تنزل الفيوضات على قلوبهم ، لأنهم أهله ومحبوه . ثم إن فيض الله المتجدد في كلامه لهم لمما يزيد في كمال إعجاز القرآن ، ويؤكد أن إعجازه أسمى من أن يكون في فصاحة لفظه ، وقوة أسره ، وبلاغة أسلوبه ، وإنما إعجازه فوق ذلك ؛ في أسراره ومعانيه ، ومراده ومراميه . وأهل الله أولى الناس بتفهم مراده ومعرفة مرامى كلامه ، ومن ثمّ كان ما ينكشف لهم في كلام الله من أسرار بمثابة إشارات لهم - وحدهم ؛ لأن الإشارة لغة المحب مع المحبوب ، والإشارة بعد ذلك تلويح للمراد ، لا إفصاح عنه ، لعدم قدرة الألفاظ على تحمل المراد ؟ لأن العبارة تحدد ما يشيرون إليه ، وما يشيرون إليه إنما يكون عن مشاهدة . وما يشاهدونه ليس بمحدود ؛ إذ هو من عالم الغيوب ، فلا اللفظ قادر على تحديد المراد ، ولا قابليات العقول تطيق ذلك . ومن ثمّ سميت مذاقاتهم في القرآن إشارات ، ولم تسم تفسيرا . وقد تحلى القرآن الكريم بمثل تلك الإشارات من رموز الحواميم و « ألم » و « طسم » . . . إلخ ، وهي إشارات بين الحق ورسوله ، أو « شفرات » - بالتعبير الحديث - بين المحبوب وحبيبه ، ولا يعرف حلها إلا من لديه مفتاحها . ومفتاح تلك « الشفرات » وفهم تلك الإشارات في حوزة من لديه الفهم لمراد المشير ، وهم - بعد الرسول صلى اللّه عليه وسلّم - ورثته